أحمد مصطفى المراغي
147
تفسير المراغي
( وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) أي وهم يكفرون بالآخرة والحساب والجزاء على الوجه الذي دعا إليه الأنبياء ، إذ أنهم كانوا يصورون حياة الآخرة على صور مبتدعة ، منها أن فراعنتهم يعودون إلى الحياة الآخرة بأجسادهم المحنطة ويرجع إليهم الحكم والسلطان كما كانوا في الدنيا ، ومن ثم كانوا يضعون معهم في مقابرهم جواهرهم وحليهم ، ويبنون الأهرام لحفظ جثتهم وما معهم ، ولهم معتقدات أخرى في تلك الحياة لا تشا كل ما جاء عنها على ألسنة الرسل عليهم السلام . ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) أي واتبعت ملة آبائي الذين دعوا إلى التوحيد الخالص وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، وفي ذكر ذلك ترغيب لصاحبيه في الإيمان والتوحيد وتنفير لهما عما هما فيه من الشرك والضلال . ثم بين أساس الملة التي ورثها عن أولئك الآباء الكرام فكانت يقينا له بقوله : ( ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ) أي لا ينبغي لنا معشر الأنبياء أن نشرك باللّه شيئا فنتخذه ربا مدبرا معه ولا إلها معبودا من الملائكة أو البشر كالفراعنة ، فضلا عما دونهما من البقر كالعجل أبيس أو من الشمس والقمر ، أو ما يتخذ من التماثيل والصور لهذه الآلهة . ( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ ) أي عدم الإشراك من فضل اللّه علينا ، إذ هدانا إلى معرفته وتوحيده في ربوبيته وألوهيته ، بوحيه وآياته في الأنفس والآفاق ، وعلى الناس بإرسالنا إليهم ، ننشر فيهم الدعوة ، ونقيم عليهم الحجة ، فنهديهم سبيل الرشاد ، ونبين لهم محجة الصواب ، ونبعدهم عن طرق الغواية والضلال . ( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) نعم اللّه عليهم ، فيشركون به أربابا وآلهة من خلقه ، يذلون أنفسهم بعبادتهم ، وهم مخلوقون للّه مثلهم أو أدنى منهم .